Make your own free website on Tripod.com

الجذور الحقيقية للبرمجة اللغوية العصبية

الجزء الأول

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

إن العقيدة السليمة النقية هي لُب المجتمع الإسلامي، وجانب التوحيد منها هو أساسها وجوهرها، بل هو روح الإسلام بأكمله. وقد اعتنى الإسلام بالإنسان، وشرع له ما يقيمه في هذه الحياة وفق ضوابط محكمة، وعلى ما يُرضي الله ورسوله. و حمى هذه العقيدة الإسلامية من كل باطل، وحافظ عليها سليمة وخالصة لله عز وجل. ولهذا الهدف العظيم اعتنى الإسلام بالمجتمع الإسلامي عناية فائقة، فطهره من جميع الشركيات والوثنيات والجاهليات والضلالات والخرافات. فأسس الإسلام في قلوب الناس نظام رب العالمين في الكون وسننه التي لا تتبدل ولا تتحول، والذي لا يسير وفق هوى الناس البتة. قال تعالى: (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (23)) (الفتح. وقوله: (سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً(77)) (الإسراء). وطالب الشارع من الناس عبادته وحده، وأن يُجلّوا سنن الله الكونية، ويطلبوا المسببات من أسبابها التي ربطها الله بها، وأرشد الإسلام الناس إلى الإعراض عن الأسباب الخفية التي لم يُشرّعها الله تعالى، و لا تعود عليهم بنفع ولا خير.

و العلم حياة النفوس، وغذاءها، ونور العقول والأبصار. وكما أوضح الإمام ابن القيم في ردوده في مدارج السالكين على صاحب المنازل في ذكر أن العلم هو ما قام بدليل، ورفع الجهل. فالعلوم كثيرة ومن أجلّها ما جاء في الوحيين: الكتاب والسنة. وأشار إلى أن من العلم ما عُرف بالعقل من التجربة، وبحواس الإنسان من سمع وبصر، والوجدانيات، وبالفكر والاستنباط إن لم يكن عن تجربة. ومنه ما يتفضل به الرحمن من نور، وفرقان، والهام، وحكمة، وفراسة. يقول الله تعالى: "وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52( صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ (53)) (الشورى). والعلم أساس العمل، والعبادة تكون في الأعمال الصالحات. وفي ذلك يقول الله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) (محمد: 19.

و قد برع علماء الغرب في جوانب عديدة من العلوم و الفنون باكتشافاتهم وإصدار نظرياتهم و فرضياتهم العديدة و المتتالية، فسبقوا المسلمين و برزوا بتقدير من الله العلي الحكيم. و بنوا نظرياتهم على أسس مادية و كفرية و إلحادية بحتة تخالف عقيدة الإسلام و جوهره. و وفدت هذه العلوم والمعارف الكثيرة في الطب و النفس و الاجتماع و علوم الإنسان و غيرها، فأشكل على المسلمين أمرها؛ لاحتواها على أفكار مشبوهة، و مبادئ دخيلة. فتقبلها بعض بني الإسلام، و نشرها في أوساط المجتمع الإسلامي من غير جهد لتأصيلها و تجلية لأمرها. و كذلك فإن المسلمين المختصين قد أهملوا جانباً من تحديد ماهية هذه العلوم و تنقيحها، و توضيح رأي الشرع فيها. فلم تُوضح بجلاء الأمور العقدية من الأمور الفلسفية أو النظرية، و كذلك لم تُبيّن الأمور العلمية أو التجريبية المثبتة من الأمور الظنية الذهنية غير المبرهنة.

و غفل أيضاً بعض طلبة هذه العلوم من المسلمين عن خصوصية دين محمد عليه الصلاة والسلام، و سيادته في تثبيت عقيدة التوحيد و أمن و سلامة المجتمعات، و إصلاح النفس البشرية و سائر الأمور الحياتية. فأخذ البعض من المسلمين بالإقبال على طلب هذه العلوم المحدثة بلوثتها العقدية المضلة، و ظنياتها وفرضياتها المبنية على أفكار و عقائد إلحادية شركية. فعامة العلوم الغربية المتعلقة بالنفس أو العقل أو الروح تنافي عقيدة التوحيد و تعاليم الإسلام. و أغفلت هذه العلوم الوافدة علاقة الإنسان بربه و بمن حوله في إطار هذا الكون الفسيح. بل هذه الأفكار و العلوم التي تدرس الإنسان من جميع جوانبه قد أغفلت حقيقة مهمة، ألا و هي العلوم والحقائق التي لا لبس فيها التي أتت من خالق هذا الإنسان الذي يعلم حاله و مآله. فلا تكاد تجد أي ذكر لتعاليم الله عز وجل و آياته و الحقائق التي بيّنها للناس في هذه الجوانب. يقول الله تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: 14.

و الرفض و التحذير من هذه العلوم والثقافات الغربية ليس تعسفاً لكونها آتية من الغرب، بل لأنها مخالفة لجوهر الدين و مناقضة له. فلا يُتصور أن يُقبل بفلسفة مادية إلحادية على حساب الدين، ولا تُقبل فرضية ظنية تنافي النقل أو العقل. و ما ثبت علمياً غير مناف للشرع فيطلب و لا حرج، والحكمة ضالة المؤمن. و أما ما ثبت علمياً و هو ينافي الشرع كالاستنساخ فلا يُقبل و يرفض قطعاً. و لا يُتصور البتة القبول بآراء فرويد و داروين المخالفة للدين، ولا القبول بالأقوال و الآراء و الفرضيات الفلسفية السلبية التي تتعلق بجانب علم الله الغيبي. فالتحكيم كله للشرع، و هو الفاصل في هذه الأمور، و خاصة جانب العقيدة.

و في هذا السياق، فقد انبهر جمع من الناس في الآونة الأخيرة بما يُسمى بالبرمجة اللغوية العصبية، وأخذ البعض يُسوّق لها، وينشرها في أوساط المسلمين دون إرجاعها الجدّي لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وتقبل هؤلاء كل ما في هذا الفلسفة أو التقنية دون التبصر بها شرعاً و ردّها للدين قبل مطالبة وإلزام الناس بها. فقد صُوِّرت البرمجة على أنها الحل المُطلق لمشاكلهم وتحقيق آمالهم، وأن الناس بحاجة ماسة إليها حتى يتمكنوا من تغيير عاداتهم السلبية، والتأثير على غيرهم. و روّجوا للناس بأن المثابرة، والعمل الدؤوب، والحرص، وغيرها من متطلبات النجاح ليست كافية دون وجود آلية مؤثرة كالبرمجة اللغوية العصبية.

وهذه الفلسفة أو التقنية يزعم أصحابها بأنها تهتم بالتعامل مع الجهاز العصبي للإنسان؛ لأنه يتحكم بعدة وظائف من جسمه للقيام بالأداء والفعالية المتطلبة. ويتم ذلك بالتأثير على حواس الإنسان، وطرق تفكيره، وسلوكه، وتصرفاته. وعن طريق التعامل مع هذا الجهاز الحسّاس يُمكن التخاطب معه بآلية معينة؛ لتكيفيه على حسب الرغبة من حيث السلوك والتفكير والحواس، و برمجة دماغه وحسه وذهنه وتصوراته على حسب عوامل الجودة المطلوبة و تجاربه وخبراته؛ ومن هنا جاء مُسمى لغة البرمجة العصبية. فالبرمجة هي دراسة تأثير اللغة الشفهية وغير الشفهية على الجهاز العصبي، وتتوقف فعالية هذه التقنية على مدى التواصل والتأثير في الجهاز العصبي، ومن هنا جاءت أهمية التواصل معه.

و البرمجة اللغوية العصبية هي عبارة عن خليط من العلوم و الفلسفات والاعتقادات. و تهدف هذه التقنية لإعادة صياغة الواقع المُتصور في ذهن الإنسان من معتقدات و مدارك و تصورات و عادات و قدرات بحيث تصبح في داخل الفرد وذهنه لتنعكس على تصرفاته. وهذه التقنية كما يؤكد أصحابها بأنها تستطيع بواسطة طرق وأساليب معينة في زيادة سرعة التعلم والتذكر وتنمية القدرات وتعديل أو استبدال السلوك والتصرفات، وهي تحاول إلى إعادة هيكلة التفكير وفهم الآخر أو العالم. وتتم هذه العملية من خلال خلق وتعديل أنماط سلوكية، وتقليد ومحاكاة الآخرين. و هي ظاهريًّا تُمكّن الممارسين من قراءة حركات العين العشوائيّة و الأدلّة المرئيّة الأخرى أثناء المحادثة أو الاقتراحات؛ لبرمجة سلوك العميل، و إعادة تشكيل معتقداته الأساسيّة.

وعند بدء دراسة وتطوير هذه التقنية في أوائل السبعينات أعاد كل من جون جرندر و ريتشارد باندلر صياغة منهجية و نمذجية لبعض ممارسات أطباء التحليل النفسي الشفائي من خلال دراسات مبنية على أبحاث سابقة و مشاهدات لشخصيات مشهورة في التأثير و الاتصال بالآخر أثناء الجلسات النفسية العلاجية و الاستعراضات في مسارح السحر. و عكف مُطوريها جرندر و باندلر على دراسة البُنية التي يقوم عليها العلاج النفسي التحليلي (و هو السحر ذاته) للأشخاص والأسر من خيال ولغة في إنتاج أمور مذهلة سحرية مستفيدين من أساتذتهم وخبراتهم الحسابية والحاسوبية واللغوية والعلمية. و من ثم وضعا الأسس والدعائم والارتباطات والرموز والإطارات النظرية والتطبيقية التي يقوم عليها ذلك السحر التخييلي والكلامي؛ فتم تطوير هذه التقنية ولكن بإطار منهجي و طقوسي. فهما قد اكتشفا أن سحر اللغة والمنطق و الخيال و الاتصال يعتمد في الحقيقة على قوة وذكاء خطاب اللغة والعقل؛ فاستغلا ذلك في الوصول لمبادئ هذه التقنية وطرقها. . ولذلك ألفا كتابيهما "بُنية السحر"- المجموعة الأولى و الثانية - بصياغة جديدة لأسس و أساليب و نماذج و فنون التأثير اللغوي و الخطابي السحري. و يقولان في مقدمة الكتاب عن سبب نشره لغرض تدوين الممارسات الغريبة و المذهلة: {في خلال الأزمنة الماضية كان تدوين القوّة والأعجوبة لممارسي السحر فقط معروفاً في الأغنية والقصّة. و كان دائماً وجود السحر والسحرة و الساحرات و الشامان و الكهنة والعرافين مثيراً لدهشة الإنسان العادي}. ويؤكدا على غايتهما من تأليف كتاب بُنية السحر بقولهما: {هدفنا في هذا الكتاب ليس لإنكار النوعية السحرية للسحرة العلاجّيين الذين استفدنا من خبراتهم، و لكن بالأحرى لنُظهر أن ذلك السحر هو كغيره من النشاطات البشرية المعقّدة الأخرى، له بُنية و قابل للتعلّم إذا توفرت مصادره. و هذا الكتاب فقط عبارة عن مصدر واحد للتعلم التدريجي للساحر. و هذا الكتاب أيضاً له بُنية كالسحر الذي يصفه}. و يضيفا حول هذه الغاية من الكتاب: {لإنكار هذه القدرة أو ببساطة ربطها بالموهبة أو الحدس أو العبقريّة هي عملية تحديد وتقليص للفرد في مساعدة الأشخاص. لم تكن رغبتنا في هذا الكتاب لتسأل جودة تجربتنا السّاحرة لهؤلاء السحرة العلاجيّين، ولكنّ إلى حدّ ما لإظهار أن هذا السّحر الذي يؤدّونه له بُنية مثل الأنشطة البشريّة المعقّدة الأخرى كالرّسم أو تأليف الموسيقى أو وضع رجل على القمر. ولذلك فهو ممكن وقابل للتّعلّم على اعتبار وجود الموارد المناسبة. ونحن لا ندّعي أننا قد اكتشفنا الحقيقة أو معظم الطّرق القويّة للعلاج النّفسيّ خاصّة، ولكن نرغب فقط لإعطائك مجموعة معيّنة من الأدوات التي تبدو إلينا أنها ضمنيّة في أفعال هؤلاء المعالجين؛ حتّى قد تبدأ أو تواصل العمليّة الأبديّة للتّحسّن و إثراء و صناعة المهارات التي تعرضها كمساعد للناس}. و أيضاً في مقدمة الكتاب الأول أبرزا المؤلفان قصة الملك الساحر مع ابنه الأمير في إشارة لماهية البرمجة اللغوية العصبية في التأثير على خارطة الرأس و الواقع بحيث استطاع الملك الساحر من التأثير على ابنه بحيث يرى ما يشاء أبيه أن يراه من عدم وجود إله و أميرات وجزر في محيطه و واقعه.

و يذكر جون جرندر معلقاً على طبيعة دراساتهم في "بُنية السحر": {نعم، السحرة العلاجّيون الذين درسناهم كان لديهم طقوسهم السحرية- و إريكسون كان أقل من البقية}. و يضيف أيضاً: {ضمن سياق تلك الأوقات، وُصف أداء النماذج المتعلقة بـ بيرلز وساتير من قبل معاصريهم كسحر (و كان بالفعل سحراً مقارنة بأداء معاصريهم). و قد أنهينا أنا و باندلر في ذلك الوقت في مكانه في بن لوموند جلسة عمل مبكّرة في ما نُشر لاحقاً بـ"بُنية السحر". و كنت أفكّر بصوت عال حول ما كنّا نعمل وقلت شيئاً عنّا بتقديم تركيباً للسحر. فقال (باندلر) "ماذا قلت للتو؟" فأجبت، "نحن نقدّم تركيباً للسحر الذي يمارسانه فريتز وفرجينيا، انت تعرف، تركيب السحر." فنحن كلانا كنّا مسرورين بعنوان الكتاب. و كنّا مدركين لمفهوم (يانكي في محكمة الملك آرثر) حول الاتصال بين التقنية والسحر. و طلب باندلر في ذلك الوقت من الرّسام الأسترالي جوش دولان رسم صورة ساحر لتصبح غلافاً لكتاب "بُنية السحر". و سُررت حين تجوّلي في إحدى المكتبات و وجدت كتابنا "بُنية السحر" مبوّباً ضمن عناوين حركة "العهد الجديد"}. و يقول عن الطقوس السحرية: {جميع الأنماط عندما تُرمّز فإنها تمثّل مجموعة من التعليمات حول أين تضع انتباه الواحد. يتبّع بعض الممارسين هذه التعليمات كما لو أنّها الطريق الوحيد لإنجاز النتائج الإيجابية المرغوبة. و يستعمل الآخرون النمط المُرمّز كدليل لتعلّم تعقيدات النمط وبعد ذلك يُحرّرون أنفسهم من الحاجة للخنوع بعد هذه الخطوات ويطوّرون الكثير، و العديد من الاختلافات على النمط المُرمّز. فالمجموعة الأولى تُعتبر طقوسية والثانية ليست طقوسية{.

و هذان الكتابان يُعتبران من أهم كتب هذه التقنية الذي غالبه يتحدث عن نموذج "ميتا". ويذكر روس بيل في (ما بعد الـ"إن إل بي"): {يزعم المؤلّفان أنهما قد فحصا و عزلوا أشكال اللغة المعيّنة للعملاء من خلال استعمال قواعد لغويّة محددة. و طبقًا لهذه القواعد فإن العميل يقدّم تركيباً ظاهريًّا سطحياً أوّليًّا. فعلى سبيل المثال، العميل يقول: "أنا خائف جدًّا". فهذه الجملة ناقصة المعنى و المفقود منها هو التركيب العميق والتي سيفحصه المعالج. وقد بحثا باندلر و جرندر عن السحرة العلاجيّين مثل فريتز بيرلز و فيرجينيا ساتير و ملتون إريكسون لرؤية كيف سيتولّون التراكيب الظّاهريّة في عبارات المرضى أو المراجعين.

و مما سبق و من مراجع الكتابين السابقين و منهجهما و أفكارهما يتضح تأثر جون جرندر و ريتشارد باندلر بمنهج "البنيوية" الفلسفي التحليلي المادي الإلحادي الذي يزعم أن لكل ظاهرة كانت إنسانية أو اجتماعية أو نفسية أو لغوية أو أدبية بُنية سطحية و عميقة ينبغي دراستها و تفكيكها لفهمها و إدراكها. و هذا يعني أن أي ظاهرة تحت الدراسة ينبغي عزلها عن أي مؤثرات أو عوامل خارجية و البُنية تكفي بذاتها لمعرفة أسرارها. و لذلك لم تهتم البنيوية بجانب العقيدة و الأخلاق، فغفلت عن قدرة الله و قدره و قضائه و وحيه و علمه و حكمته في هذا الكون.

 

(نُشر المقال في ملحق الرسالة-صحيفة المدينة)

كاتبه: د/أبو معاذ  عوض بن عودة
باحث مهتم بالدراسات الشرعية والاجتماعية والإدارية

 

 

الجذور الحقيقية للبرمجة اللغوية العصبية

الجزء الثاني


و كذلك غلبت أسس السحر البدائية على الخطاب والاتصال في البرمجة اللغوية العصبية. وقد ألف روبرت دلتز و جوديث دي لوزير موسوعة البرمجة اللغوية العصبية التي تحتوي على التفاصيل الدقيقة للبرمجة اللغوية و علاقتها و ارتباطها بالسحر في فلسفتها و تطبيقاتها. و هذا التريس أحد مدربي البرمجة اللغوية العصبية يقول: {أن البرمجة اللغوية العصبية هي إعادة لصياغة أسس السحر وقواعده بصورة علمية، وهي المنطلق لطرق السحر المتقدمة ففيه المنهج الأساسي والمتقدم للسحرة}. و يذكر ستيفن هول في قاموسه للحركات الدينية أن البرمجة اللغوية العصبية هي من أدوات العهد الجديد الذي يستعير بوجهٍ عام معتقداته و لاهوته من الدّيانات الشّرقيّة المتعلّقة بنظريّة وحدة الوجود و ممارساتها من الخوارق الغربيّة و التي تتبنى بعض أو كل ما يلي: (1) الكلّ واحد، و كلّ الواقع هو جزء من الكلّ. (2) كل شيء هو اللّه، و اللّه كل شيء. (3) الرّجل هو اللّه أو جزء من اللّه. (4) لا يموت الرّجل أبدًا، لكنّ يستمرّ ليعيش من خلال البعث. (5) يمكن أن يخلق الرّجل واقعه الخاص و/أو قيمه من خلال الوعي المعدل أو الحالات الشّعوريّة المعدلة}. وهذا الأمر ليس بمستبعد، فخلفيات مطوري البرمجة في الغرب يغلب عليها علم النفس التحليلي العلاجي الذي يتناول بعض طرق السحر في منهجه أو في علم اللاهوت الفلسفي الكفري. فجرندر و باندلر و هال و قبلهما ساتير و باتسون و إريكسون و بيرلز من كبار المبرمجين ذوي خلفية الطب النفسي التحليلي العلاجي والسحر. و أما بوبي بودينهامير و وايت وود سمول فهما متخصصان في علم اللاهوت و فلسفته السلبية.


و يذكر كولن لو في ذلك: {فكرة أن "الكون الطبيعي" هو ناتج نهائي لـ"عملية الوعي" هو أول مبادئ الفلسفة الباطنية الشرقية، وهو في جذور المذهب القبلاني للانبثاق والأسفار العبرانية، و من يتبنى هذه الفكرة فإن بمقدوره خلق الأشكال الصورية و المجازية و الرمزية للتأثير. و يؤكد كولن أن وظيفة مبدأ الطقوس السحرية هي عمل تغييرات واضحة المعالم في الوعي. و بإمكان تمييز الطقوس السحرية من غيرها عن طريق تركيزها على التسبب في إحداث تغيير في الوعي إلى حالات وأوضاع ليست سهلة المنال عادة. و عملية التأثير في السحر هي بالتلاعب المتعمد بالوعي. و الذي ينبغي إدراكه هو أن محتوى الطقوس السحرية عبارة عن وسيلة إلى نهاية. النهاية في التلاعب المتعمّد للوعي، وهذا هو الحدّ الفاصل في الأسلوب السحري. فالطقوس السحرية تُصمّم لإنتاج معيّن وإلى حد كبير "المحدودية" تتغيّر في الوعي، وهذه معمول به من قبل، فقد أستعمل خريطة معيّنة من الوعي، وهناك المراسلات الرمزية والمجازية ضمن الخريطة التي يمكن أن تُستعمل في بناء الطقوس. و الدائرة هي المكان الذي فيه يكمن تنفيذ العمل السحري وهي حاوية للقوّة. و خاصية الوعي السحري الذي يميّزه من الوعي الطبيعي هو أن في أكثر الأعمال السحرية يتحرّك الساحر خارج المنطقة التي تكون سهلة الوصول عادة من الوعي. و أكثر الناس الطبيعيين سيقاومون المحاولة لتحريك وعيهم خارج دائرة الحالة الطبيعية، وإذا ضُغط عليهم بشدة فإنهم سيضطربون، أو يتوجعون، أو تصيبهم نوبات هستيرية{

و تذكر الاستشارية ماريسا بروجتون- ممارس متقدم معتمد في البرمجة اللغوية العصبية و التنويم المغناطيسي: {يكمن السحر في الغالب في الفلسفة الأساسية لـ إن إل بي...تُعطي بعض أساليب البرمجة نفس النتائج كالسحر...طوّر ريتشارد باندلر و جون جرندر "إن إل بي" تقنياً وكأنها تبدوا أنها مخترعة عن طريقهما. فستجد دراسات و آثار إن إل بي في العديد من حقول الدراسة – خاصة المتعلق بطرق عمل العقل أو الدماغ أو السلوك. يرتبط السحر بكل شيء له علاقة بالعقل وقدرة الواحد على إدارة أدمغة الآخرين. و قد لاحظت بأنّ هناك العديد من المتوازيات بين السحر وإن إل بي، و بشكل خاص في فلسفة امتلاك القوّة لخلق واقع الآخر بموجب الإرادة والهدف. و بعض الأساليب في إن إل بي لها نفس فعالية وإنجاز الطقوس السحرية. أيضاً، لها علاقة بتوجيه إرادتك و الحصول على النتيجة. و تستطيع دخول مستوى عميق من الروحانية مع إن إل بي وبشكل خاص في تقنية التنويم المغناطيسي. و ببساطة فإن الطقوس السحرية تنتج حالة النشوة أو الغيبوبة التي تضع الشخص في إطار عقلي الأكثر باعثاً على التأثير المرغوب (بتوجّيه الإرادة). و أطلق على إن إل بي بأنه التقنية الجديدة للسحر. إنّ نوع السحر الذي درسته مستند على الحكم القبلانية اليهودية السحرية الثلمية.

و الدكتور مايكل هال أحد كبار مدربي الـ"إن إل بي" يقول: {إن إل بي عبارة عن فن التأثير والعلاج من الدرجة الأولى}. وأيضاً يضيف في (سحر إعادة التشكيل التحادثية): {وجدنا صندوق سحري "يكمن فيه كلّ أنواع الأشياء الرائعة والمُروّعة كالساحر مع صندوقه السحري الذي من خلاله وضع وسحب كل ما هو خارق-الصندوق السحري هنا يُشير إلى الأكاذيب ضمن العقل الإنساني ويتضمّن تركيب السحر. فدماغ الإنسان يُنتجها، ومع هذا فالصندوق السحري يتجاوز الدماغ. وتعرض خطوط العقل السحر بإعادة التشكيل التحادثية أو الأنمطة أو التأطيرات}.

و يضيف العالم النفساني الألماني فراتر يو في "نماذج السحر" والذي فيه يتكلم عن كيفية ملائمة ومواكبة السحر لحالة العالم بأن نماذج السحر تتفاوت في تقنياتها وتاريخها ومن أشدها تأثيراً في ممارسة الطقوس السحرية التي ترتكز على نماذج الروح و الطاقة و النفس و المعلومات و ميتا. يقول: {نموذج الروح هو من أقدم نماذج السحر و الذي يتمكن من خلاله الساحر من التخاطب مع القوى الخارجية وجعلها تحت متناوله للتأثير. ومن أكثر دعاته البارزين هم فرانز باردون و اليستر كراولي. و نموذج الطاقة قد ظهر في الغرب بثوب جديد و ملحوظ بظهور التنويم المغناطيسي نحو نهاية القرن الثامن عشر عن طريق ميسمير. وقد أشاع هذا بأعجوباته الشفائية منتهجاً النهج القديم للتنويم المغناطيسي والمغناطيسية ولكن بصياغة جديدة مقننة. فأشاع نظريته "جاذبية الحيوانات" الذي رأى منها كقوة غير ملحوظة متأصّلة في الكائنات الحية لكنّه أيضاً عمل على استعمال أثقال من المغناطيس المعدنية للأغراض المشفية. ومن الذين طوّروا هذا النموذج من السحر هم بولوير ليتن الذي قام هو الآخر بافتراض وجود طاقة السحر غير الملحوظة. وكذلك منهم ريتشينباتش و إليفاس ليفي و بلافاتسكاي الذي تبنّى نظريات برانا من علم وظائف أعضاء اليوغا. ومنهم سحرة من الصين مثل تشي الذين استخدموا هذا النوع من السحر. وكذلك قام شامان بإيجاد خليط بين سحر الروح وسحر الطاقة كأن يدعو أرواحه أو آلهته لإعطائه قوّة أو يستعمل قوته في التأثير على الآخرين وابتزازهم. و نموذج النفس قد بلغ أوجّه بعد نظرية فرويد للاشعور، ويُنجز فيه السحر من قِبل الغيبوبة السحرية أو الإيحاءات و استعمال الرموز والمجازيات، أو بمعنى آخر المساهمة الحسّية الانتقائية كأدوات الرابطة وكوسائل الاتصالات بين ضمير الساحر و سلوكه اللاشعوري المسؤول عن وضعه في التأثير. فالساحر النفسي هو مبرمج لرموز وحالات مختلفة من الوعي. وقد برز في هذا النوع من السحر أيضاً العالم النفساني اليستر كراولي و إسرائيل ريجاردي و ديون و وليام بتلر و فرانسيز و وليام جراي. و نموذج المعلومات أساسه يُقدم على شكل طاقة تُجيب عما يُحتاج إليه من المعلومات لعمل السحر والتأثير و هي قد تكون قوانين مدّعوة من الطبيعة أو الأوامر المباشرة. وأساسه أيضاً يُقدم على شكل معلومات ليس بها كتلة أو طاقة تشبّه الظواهر الكمّية وعن طريقها يتمكن الساحر مثلاً من أن يربط نفسه بوسط ككائن حي أو أيّ أداة لخزن ذاكرة أخرى. فطلب نموذج المعلومات يعتمد على علم أنظمة التحكم الآلي أو علم أنظمة السيطرة (سايبرنتكس أو سيبرماجيك). وهذا النموذج لا يعتمد على غيبوبة سحرية لإحداث تأثيره. و أما نموذج ميتا (كلمة إغريقية وتعني التغيير أو التأثير أو رؤية المخفي أو ما وراء الشيء) فيدعو إلى التصديق المطلق في رؤية ما وراء الأشياء بقوة حتى تأتي القوة والطاقة والتحدي لممارسة السحر والتأثير. وهذا ليس نموذجاً في حد ذاته وإنما تكمن فيه التعليمات والتنظيمات وأساليب اللغة و الاتصال في استخدام بقية النماذج المذكورة أعلاه وتنظيمها وتحديد أهدافها. ويقول مارك باست أن لغات ميتا هي من اللغات و الأساليب الغريبة العامة من السحر وهي من الأسماء البربرية وتدعوا إلى استعمال اللغات الأجنبية مثل العبرية أو السنسكرتية. و كل الأنظمة السحرية تميل إلى توليد لغتهم التقنية لوصف التجارب والأساليب السحرية التأثيرية ضمن إطار مشترك. ويخلق السحرة نماذج ولغات ميتا ليس فقط كأدوات سحرية لأفعال السحر ولكن أيضاً لفتح ظلال من التجارب والخبرات والاستفسارات التي يصعب وصفها بشكل واضح. والهدف هنا من لغة ميتا هي الدقة في عملية الاتصال. ويمكن تطوير الاتصالات غير الحرفية للعمل التجريبي في التخاطر والتخييل والتنجيم السحري. والتجارب في هذه المجالات أكدت على أن الصور البصرية والألوان والصور الكتابية تكون أسهل في الإرسال بين الأشخاص في الحلم أو الفضاء التخييلي من الكلمات أو الحروف لوحدها. ولذلك كانت هناك محاولات لخلق أنظمة الاتصالات المستندة على استعمال اللون والروائح والمنظورات المكانية والأماكن الصورية والسياقية وذلك في محاولة لتأسيس الاتصالات في الحلم المشترك أو محاولة لربط الوعي بالتخييل أو التنجيم. ومن تعليمات وتوصيات ميتا المشتهرة لتقوية عمل السحر و تنظيمه: "دوماً قم بممارسة النموذج الأكفأ لتحقيق أهدافك" ، "لا شيء صحيح، كل شيء مسموح به"، "لا فشل مع الإستمرار"، "لا مرونة لا تأثير"، "العقل الباطن هو المفتاح"}. و المتأمل في طبيعة البرمجة اللغوية العصبية فإن يدور رحاها على ما ذُكر أعلاه، وخاصة المُسلّمة المتعلقة بعلم أنظمة السيطرة (سايبرنتكس) و أن العقل والجسد جزء من نفس علم التحكم الكلي الآلي.

و يستعرض فيلب فاربر في كتابه "طقوس المستقبل: سحر القرن الحادي والعشرين". طقوس السحر البدائية وكيفية تطور السحر من قبل خمسة آلاف سنة إلى أن وصل لهذا العصر، وشرح فيه طقوس سحر الماضي والحاضر والمستقبل الذي وصل اليوم السحر في تقدمه إلى تكامله مع تقنيات البرمجة اللغوية العصبية، والذي يُعتبر اكتشاف جديد وتقدم علمي لبنية وقواعد السحر، وما يقوم عليه بإعادة صياغته علمياً ومنهجياً. وأُعتبر سحر البرمجة سحر تطبيقي للتأثير على العقول من خلال طرق مطورة تعتمد على الميتافيزيقية وطرق الإرساء للتغيير الذهني والإيحاءات التخييلية و الرمزيات و المجازيات وتطابق النميطات والتنويم المغناطيسي الإريكسوني وخطوط العقل وغيرها من العمليات الرمزية والترنيمات والخطابات اللغوية السحرية المؤثرة على العقول والأبدان لدافع التأثير عن قرب وعن بعد.

و يحرص مدربي البرمجة اللغوية العصبية في الغرب تكاملياً على إدخال بعض الأساليب الرمزية و المجازية و الرياضات الروحية؛ لإضفاء نوعاً من القوة و الإثارة و الصفاء الذهني والتخلص من أوهام العالم الحسي، و ذلك لسد الجانب الروحي المفقود في البرمجة. فأشركت بعض الطقوس و المعتقدات البوذية و الطاوية و اليوغا و الرايكي والطب البديل و الهونا و الشامانية و المشي على الجمر و أساليب الطاقة الفاسدة من الصين واليابان و غيرهما. و هذه المعتقدات تحتوي على أمور مشابهة لممارسات الصوفية و الهندوكية والقبلانية. فمنظمة اليوغا مثلاً كما يشير الشيخ الدكتور أحمد شلبي تستخدمها الماسونية في الدعوة إلى معتقداتهم الفاسدة، وهي تزعم أنها مجرد ممارسات رياضية و تدريبات جسمانية، وتبدأ باسم اليوجا ثم تنشر سمومها و معتقداتها بالرباط الإنساني و غيره. و تلقف بعض المسلمين هذه التقنية فأضفوا عليها شيئاً من الآيات و الأحاديث؛ لتقويتها و إقناع الناس بها. و كل هذه العلوم و الأفكار و الاعتقادات و الممارسات عبارة عن بعض ثمرات الفراغ الروحي، و البعد عن الله عز وجل، و الهروب من مواجهة المشاكل والواقع.

و يذكر لويس واكر في (التغيير بالرمز الجديد "إن إل بي"): {طُوّرت البرمجة اللغوية العصبية بشكل محدّد لكي يسمح لنا بالقيام بالسحر و تطوير طرق جديدة في فهم كيفية تأثير الاتصال الشفهي وغير الشفهي على دماغ الإنسان. و في حد ذاته فهو يقدّم لنا كلّ الفرصة ليس فقط كيف تتّصل بشكل أفضل مع الآخرين، بل أيضاً لكيفية كسب السيطرة أكثر على الآخرين، والذي يُعتبر وظائف آلية من علم الأعصاب. و تذكّر بأنّ السحر هو تلاعب بالطاقة، فكر في شكل الطاقة، و الخيال يُشكّل أقوى مستوى من الطاقة. والخيال يمكن أن يكون طريقة تُستعمل لتشديد رغبتك الأخيرة والمباشرة. والخيال يمكن أن يكون الطريقة التي فيها تسيطر على الطاقة السحرية المنتجة. عليك أن تعرف ما تريد. عليك أن تراه. عليك أن تحسّ بتدفّق الطاقة العالية. عليك أن توجّهها. و هي إحدى أهم العناصر في ممارسة أيّ شكل من أشكال سحر القانون العالمي للسببية والتأثير".

و كذلك فقد أخذت البرمجة اللغوية العصبية منهج "الرمزية" في فلسفتها الملحدة التي تدعو إلى التحلل من الدين و القيم و الأخلاق المنبثقة عن نظرية المثل الأفلاطونية، و تتضمن الهروب من الواقع والجنوح إلى عالم الخيال الرموز والرمزيات والإيحاءات والمجازيات و التلميحات؛ للتعبير عن المعاني و التجارب الاجتماعية و النفسية و العقلية والعاطفية. و نظرية المثل الإفلاطونية تزعم أن للإنسان عقل ظاهر واع محدود و عقل غير واع أقوى و أرحب من العقل الظاهر غير المحدود.

و كذلك "السريالية" المتأثرة بالمدرسة الفرويدية لها نصيب في فلسلفة البرمجة اللغوية العصبية باعتمادها على قوى الواقع اللاواعي الكامنة في النفس البشرية و التي يتطلب إطلاقها و تحريرها. و يقول شيخنا محمد قطب في كتابه مذاهب فكرية معاصرة موضحاً و معلقاً على تخبط السريالية و التحليل النفسي بتعلقها بالعقل الباطن: {أما السريالية فقد تتبعت التحليل النفسي الذي أنشأه فرويد و قال فيه إن حقيقة النفس الإنسانية ليست في النفس الواعية التي تتعامل مع الواقع الخارجي، إنما هي في العقل الباطن الذي لا ترتيب فيه و لا منطق!: فحاولت في نماذج أقرب إلى الخبل منها إلى العقل أن تبرز "حقيقة النفس الإنسانية"! فلم تصنع شيئاً في الحقيقة إلا بعثرة هذه النفس إلى قطع متناثرة لا دلالة لها ولا معنى ولا طعم.

و قد قُسّم العقل كما أسلفنا إلى عقل واعي و عقل باطن لاواعي، و البرمجة اللغوية العصبية ترتكز بقوة على مفهوم هذا العقل الباطن اللاواعي. فقد ذكر ميرفي في كتابه "قوة عقلك الباطن" توضيحاً لمفهوم العقل الظاهر والعقل الباطن، حيث أشار أن الأول هو الواعي الذي يكمن فيه القرار، ويتعامل مع الأمور الظاهرية والخارجية؛ فيكتسب منها الإدراك والمعرفة من خلال حواسه الخمس و وظيفة التفكير. أما الثاني الباطن اللاواعي فهو مصدر الذكاء، و يكتسب علمه ومعرفته من البيئة المحيطة به بواسطة الحدس والبديهة، وهو مركز العواطف والانفعالات ومخزن للذاكرة. و فكرة هذا العقل الباطن أوجدها العالم اليهودي النمساوي سيجموند فرويد الذي كان يقول: "ينبغي أن نحطم كل العقائد الدينية". و فرويد هو مؤسس مدرسة التحليل النفسي والذي توغل فيه التنويم المغناطيسي بشكل كبير، و أدخل فيه الأفكار و العقائد الصهيونية اليهودية الخاصة بطريقة التداعي الحر. و كما هو مُوثّق في كتب البرمجة اللغوية العصبية أن العقل الباطن يتحكم بجميع العمليات الحيوية في الجسد، ويعرف حلول كل المشاكل. وهذا العقل هو الذي يجعلك سليماً أو مريضاً، سعيداً أو تعيساً، أو غنياً أو فقيراً. و تمثل ذلك جلياً في مُسلّمات و فلسفة البرمجة اللغوية العصبية حيث زعمت، كسابقيها من الفلاسفة القدماء بالتعلق بالأسباب المادية البحتة تعلقاً صرفاً كلياً و حتمياً، أن بمقدور العقل واللغة عمل العجائب والمعجزات في حياة الإنسان، وتزعم أن العقل الباطن هو مصدر قوته.

 

(نُشر المقال في ملحق الرسالة-صحيفة المدينة)

كاتبه: د/أبو معاذ  عوض بن عودة
باحث مهتم بالدراسات الشرعية والاجتماعية والإدارية

 

 

الجذور الحقيقية للبرمجة اللغوية العصبية

الجزء الثالث


و يزعم ميرفي أن العقل الباطن بإمكانه قراءة أفكار الآخرين، وتقدير محتويات الخطابات والخزائن المغلقة. ويؤكد أن العقل الباطن يتقبل أي افتراضات أو إيحاءات مهما كانت خادعة أو غير صادقة. ولذلك فإن العقل الظاهر يستجيب وفقاً لطبيعة الافتراض المُوحى إليه من قِبل العقل الباطن. فمن أراد أن يُصبح غنياً، فما عليه إلا أن يردد التعويذات التي توحي له بالغنى على عقله الباطن. و من أراد الشهرة، فما عليه إلا أن يردد على نفسه في كل وقت و في وقت نومه التعويذات والإيحاءات الخاصة على عقله الباطن، وبذلك يتحقق له الشهرة. و من أراد أن يمشي على الجمر الملتهب، فما عليه إلا أن يردد التعويذات على عقله الباطن بأنه قوي وأن الجمر بارد..بارد..بارد حتى يُصدّقه عقله الباطن، فينعكس على عقله الظاهر، و يستطيع أن يمشي على الجمر دون أن يشعر به، وكأن ذلك الجمر جليد. و هذا الأسلوب من عرض هذه العبارات على أنها مُسلّمات و إيحاءات من شأنه إحداث تنويم خطابي و كتابي من خلال الهمس بها على شكل إيحاءات متكررة. فهذه الافتراضات هي السلاح الأسهل للخطاب التنويمي الإيحائي. و هذا الأسلوب الخطابي المُنوّم يتطلّب استعمال بعض الكلمات الخاصّة التي من شأنها تخدير قوى الإنسان الداخلية و تشكيل قناعات مختلفة في النفس والعقل. و للتدليل على ذلك فهناك فرق في القبول و التأثير على الذات الإنسانية من خلال استعمال هذه الفرضيات وبين عدم استعمالها. فاستعمال هذه الفرضيات أو المُسلّمات و أمثالها بتكرار هذا النداء الإيحائي التنويمي بحيث تروق للسامع، و تذهب عقله، و تستميل و تخلب قلبه، و تغلب على نفسه من شأنها قيادة الإنسان آلياً وبشكل منطقي.

و البرمجة اللغوية العصبية كما أقر بذلك روّادها وُلدت من رحم التنويم المغناطيسي إلا إنها فاقتها في كونها تتعامل مع حواس الإنسان جميعاً عند إدارة عقل الإنسان، و الذي أصبح يُعرف لاحقاً بالتنويم المغناطيسي الإريكسوني في البرمجة اللغوية العصبية. وأما التنويم المغناطيسي الكلاسيكي فكان يعتمد فقط على حاسة السمع من خلال الموسيقى الهادئة والاسترخاء، وتسجيل التجربة. و يستلزم التنويم المغناطيسي الإريكسوني حالة شعوريّة معدلة أو غيبوبة مولّدة بمؤثرات شّفهيّة أو غير شفهيّة. ومن خلال التنويم المغناطيسي الإريكسوني تكون قدرة المُؤثّر عليه مخفّضة للتّفكير الانتقاديّ، و يكون بوجهٍ عامّ في حالة قبول واستسلام لا إرادي للاقتراحات والتأثير الخارجيّ من قبل المُنوّم. و أكد ميرفي بأن العقل الباطن يؤدي أعظم وظائفه في حال غياب الحواس الخمس، وذلك في حالة النعاس أو النوم أو الهدوء. وهذا يُفسّر سبب استخدام التنويم المغناطيسي، وذلك للتواصل مع العقل اللا واعي و التأثير عليه خلال التنويم بغياب حواسه و إدراكه. ويزعم أيضاً أن هذا العقل الباطن بإمكانه أن يرى كل ما هو واقع خارج نطاق البصر، و بإمكانه مغادرة الجسد، و يرحل إلى أماكن بعيدة لجلب معلومات مهمة عن الشخصية أو النمط المُراد. و يزعم بعض معالجي البرمجة في الغرب أن سبب الشفاء هو الحالة الذهنية التي سيرت الإيحاء بالصحة من خلال العقل الباطن، والتي قبِلها العقل الظاهر للمريض! ولذلك فإن المُنَوم سوف يقوم بما يُملي عليه المعالج بدقة متناهية، وسوف تتغير شخصيته في خلال هذه العملية.

و يرجع تاريخ هذا التنويم المغناطيسي إلى الحضارات القديمة، والتي ينتشر فيها السحر والشعوذة و معابد للنوم الشفائي، و ذلك من خلال ممارسة طقوس خفية و هتافات وتأملات و إيحاءات متكررة و قرع للطبول. والتعبير بكلمة (hypnosis) ترجع إلى أصل يوناني، و تعني النوم بسبب حالة الغيبوبة (ypnos). فالتنويم المغناطيسي هو عبارة عن إحداث و إدخال الشخص المسترخي في حالة شبيهة بالنوم عن طريق تكرار بعض الكلمات أو الحركات الإيحائية، أو بالتحديق الشديد الذي يؤدي إلى إجهاد عضلات العين. و يُستخدم التنويم المغناطيسي في العيادات الطبية النفسية، أو في بعض مسارح السحر والألعاب الاستعراضية كعامل لجذب الجماهير. و الطبيب النمساوي فرانز أنتون ميسمير هو أول هو من اكتشف و استخدم أكاديمياً تقنية التنويم المغناطيسي عن طريق الاتصال بالعقل الباطن، و مفهوم المغناطيسية و الاهتزازات المغناطيسية في الشفاء بوضعها على جسم المريض في أواخر القرن الثامن عشر، ومن هنا إلتصق بها مُسمّى التنويم المغناطيسي.

و في هذا العصر، أضاف باندلر و جرندر إعادة لصياغة طرق ملتون إريكسون في التنويم المغناطيسي، والتي من خلالها يُمكن أن تستعمل الكلمات لأداء أو حدوث حال نشوة أو غيبوبة منوّمة، فتُنتج التأثير المطلوب. و التنويم المغناطيسي يُستخدم لأغراض محددة خاصة في العلاجات النفسية و الكشف عن المجرمين وغسل الأدمغة من قبل رجال الاستخبارات. و هذا التنويم المغناطيسي هو تنويم صناعي يحدثه المتخصّصون بهذه التقنية، فيغطّ المُنوَّم في نوم عميق تتوقّف فيه أعضاؤه عن الحركة و الإحساس، ولا يسمع إلاّ صوت مُنوّمه، و يستسلم لإرادته متأثّراً بأفكاره، مطيعاً لأوامره دون تردّد، وتظهر منه نتيجة ذلك خوارق تُثبت أن له روحاً متميزة عن البدن، فقد تنتقل روحه إلى مناطق بعيدة عن موضع النائم، وتكشف أسراراً لا يعرفها و هو في حال اليقظة، وقد يتكلم بلغات لا يتقنها، ويخبر عن أشياء ليس له أدنى إطلاع بها. و هذه القدرات الخارقة كما يُسمونها ليس لها حتى الآن تعريف دقيق. و لكن مثل هذه الظواهر تقوم على نظرية غربية تزعم أنه تُوجد قدرات ذهنية خارقة لدى بعض الناس التي تمكنهم من القيام بأمور من الصعب أن يقوم بها الإنسان العادي. و لذلك أُوجدت مدارس تقنية تهتم بمثل هذه الخوارق والطاقات لاكتشافها وتطويرها مثل القـدرة على التنبـؤ بالأحـداث و الإلهام و الكهانة و العرافة و الفراسة و قراءة الأفكار. و استعانت قوى قطبي العالم خلال الحرب الباردة بمثل هذه الخوارق كما يزعم أصحابها لخدمة أهدافها العسكرية و الإستخباراتية. وفي كُتيب عن التنويم المغناطيسي للدكتور صلاح الراشد ذكر أن التنويم يعتمد على مدى قابلية الفرد في تقبل الإيحاءات الملقاة عليه. و ضرب مثلاً أن الذين يُمارسون السحر و الشعوذة لا يملكون قوة التأثير على الآخر إلا إذا مكّنه منها و أرادها مقتنعا. فالساحر يُلقي بالإيحاءات فقط و الشخص بإرادته يستجيب له. و هذا التنويم بالإمكان تطبيقه قسراً أو بعد السماح له من قبل المريض أو من خلال التعاون معه. و طرق التنويم المغناطيسي متعددة منها على سبيل المثال كما يذكرها الراشد: طريقة الإيحاء المباشر، و الرجوع إلى الماضي، والرجوع إلى الحياة السابقة و قبل الحياة، و الجشتالت الساتيرية، و التحليل التنويمي، و التخييلي، و الإريكسوني، و البرمجة اللغوية العصبية لبرمجة العقل الباطن على الأهداف الإستراتيجية المطلوبة. و في كتاب عجائب التنويم المغناطيسي أعده قسم التأليف والترجمة في دار الرشيد ببيروت زعم أن المُنوّم يقوم بتحرير طاقة موجودة في الكائنات الحية ذاتها باستعمال زر الزنك مزود بسلك نحاسي في منتصفه أو شمعة مشتعلة مرتفعة أو ضغط الأيدي و التحديق بالعين أو بوضع يد المُنوّم على جبهة الشخص و النظر في عينيه بثبات إلى غير ذلك من طرق عمليات التنويم المغناطيسي. و للتنويم المغناطيسي عامة درجات محددة تبدأ بالنعاس فالنوم الخفيف فالنوم العميق فالنوم العميق جداً ثم الإغماء التخشبي فالسرنمة (أو ما تُسمى مماثلة بدرجات بيتا و ثيتا و ألفا و دلتا). أما التنويم الذاتي فهو عبارة عن نوع من حالة الاسترخاء العادية التي لا تفصل العقل الواعي كما يقول المتخصصون في مجال التنويم المغناطيسي.

و يعلّق الشيخ سيد قطب-رحمه الله- على بعض المشاهدات الغريبة: (لا يزال مشاهداً في كل وقت أن بعض الناس يملكون خصائصاً لم يكشف العلم عن كنهها بعد، لقد سمى بعضها بأسماء ولكنه لم يحدد كنهها ولا طرائقها!•هذا (التيليباثي) التخاطر عن بعد ـ ما هو؟ وكيف يتم؟ كيف يملك إنسان أن يدعو إنساناً على أبعاد وفواصل لا يصل إليها صوت الإنسان في العادة، ولا بصره، وهذا التنويم المغناطيسي، ما هو وكيف يتم؟ كيف يقع أن تسيطر إرادة على إرادة، وأن يتصل فكر بفكر، فإذا أحدهما يوحي إلى الآخر؟!! والسحر من قبيل هذه الأمور، وتعليم الشياطين للناس من قبيل هذه الأمور وقد تكون صورة من صور: القدرة على الإيحاء والتأثير، إما في الحواس والأفكار، وإما في الأشياء والأجسام. وإن كان السحر الذي ذكر في القرآن وقوعه من سحرة فرعون كان مجرد تخييل لا حقيقة له، لا مانع أن يكون مثل هذا التأثير وسيلة للتفريق بين المرء وزوجه، وبين الصديق وصديقه، فالانفعالات تنشأ من التأثيرات، وإن كانت الوسائل والآثار، والأسباب والمسببات، لا تقع كلها إلا بإذن الله.

 

(نُشر المقال في ملحق الرسالة-صحيفة المدينة)

كاتبه: د/أبو معاذ  عوض بن عودة
باحث مهتم بالدراسات الشرعية والاجتماعية والإدارية


 

الجذور الحقيقية للبرمجة اللغوية العصبية

الجزء الرابع


و يقول خوجة كمال الدينحالة في هذا الصدد: {فقد جاء موسى عليه السلام ليحرر بني إسرائيل من رِبقَة فرعون، ويأخذهم إلى أرض الميعاد. وكان المصريون في ذلك العصر أهل ثقافة وحضارة، لهم باع طويل في الفنون والعلوم، ولهم قوانين خُلُقية. وكان عندهم طائفة تسمى السَّحرة، يقرؤون أسرار الكون، ويمارسون التنويم المغناطيسي). و يقول الدكتور محمد راتب النابلسي: (السحر أن تسيطر على المسحور بحيث أن تجعله يرى ما لم يرى...علماء النفس يضعون بقعة حبر فيراها كل إنسان بشكل، القضيَّة نفسيَّة، يُعبَّر عنه في علم النفس (التنويم المغناطيسي) أي يستطيع المنوِّم أن يُري المنَوَّمين أشياء لا وجود لها إطلاقاً. والآية واضحة: (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) (سورة الأعراف). (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى(66) (سورة طه). هي لا تسعى، الساحر يستطيع أن يسحر عيون المسحورين ولكن أحداً لا يستطيع أن يسحر عينيه، لـذلك سحرة فرعون حينما رأوا العصى أصبحت ثعباناً مبيناً هم سحروا لكنهم لم يُسْحَروا).

و في سحر التخييل يقول ابن القيم -رحمه الله- في التفسير القيم: (فإذا جاز على الساحر أن يسحر جميع أعين الناس مع كثرتهم حتى يروا الشيء بخلاف ما هو به مع أن هذا تغيير في إحساسهم فما الذي يحيل تأثيره في تغيير بعض أعراضهم وقواهم و طباعهم!؟ وما الفرق بين التغيير الواقع في الرؤية و التغيير الواقع في صفة أخرى من صفات النفس و البدن؟ فإذا غير إحساسه حتى صار يرى الساكن متحركاً والمتصل منفصلاً فما المحيل لأن يغير صفاته حتى يجعل المحبوب إليه بغيضاً و البغيض محبوباً و غير ذلك من التأثيرات). و يُذكر ابن خلدون -رحمه الله- في مقدمته عن مراتب النفوس الساحرة: (فأوله المؤثرة بالهمة فقط من غير آلة و لا معين، وهذا الذي تُسمّيه الفلاسفة السِّحر، والثاني بمعين من مزاج الأفلاك أو العناصر أو خواص الأعداد، و يُسمّونه الطِلَّسمات، وهو أضعف رتبة من الأول، والثالث تأثير في القوى المتخيلة. يعمد صاحب هذا التأثير على القوى المتخيلة، فيتصرف فيها بنوع من التصرف و يلقي فيها أنواعاً من الخيالات و المحاكاة و صوراً مما يقصده من ذلك، ثم ينزلها إلى الحس من الرائين بقوة نفسه المؤثرة فيه، فينظر الراؤون كأنها في الخارج، وليس هناك شيء من ذلك...ويُسمى هذا عند الفلاسفة الشعوذة أو الشعبدة). فالتأثير على القوى المتخيلة و الحواس في الإنسان يصدر عن مهارة و إتقان و ممارسة الساحر من تلقاء نفسه المؤثرة من غير معين والتي من شأنها التأثير على قوى الإنسان و مداركه و أحاسيسه و تصوراته. و هذا بالضبط ما يحدث في أروقة البرمجة اللغوية العصبية.

و أمر إحداث التنويم ذاته بتعليله عن طريق التأثير على موجات المخ الكهربائية ربما يكون مفهوماً، وقد يحصل للإنسان العاقل و الحيوانات غير العاقلة. و لكن ما ينتج عن هذا التنويم من تأثير و معلومات و تغييرات صادرة أو ما يُسمى بالاستبصار حتى الآن لم يُثبت علمياً، و علماء و أطباء النفس يُعزون ذلك إلى القوة الكامنة في العقل الباطن- الذي لم يُثبت هو حتى الآن علمياً وجوده ظاهرياً. و في ذلك يُشير الدكتور صلاح الراشد ضمن كلامه عن العقل الباطن و قواه العجيبة أن الدراسات حتى الآن لم تُثبت علمياً ماهية و طبيعة و وجود و سر هذا العقل الباطن حتى بعد تشريح المخ المرئي و تصويره و متابعته.

و من جهة أخرى في أمر التعلق بالعقل الباطن، يُعلّق الشيخ محمد قطب على العقلانية التي برزت في الفلسفة الإغريقية، و سيطرت على الفكر الغربي: (كانت العقلانية الإغريقية لوناً من عبادة العقل و تأليهه، و إعطائه حجماً مزيفاً أكبر بكثير من حقيقته، كما كانت في الوقت نفسه لوناً من تحويل الوجود إلى "قضايا" تجريدية مهما يكن من صفائها و تبلورها فهي بلا شك شيء مختلف عن الوجود ذاته...قضايا تعالج معالجة كاملة في الذهن بصرف النظر عن وجودها الواقعي...). و أيضاً ينقل الشيخ عن أحد علماء الغرب في تخبط الفكر الغربي حتى وصل إلى ما يُسمى بالآلتية و التي اعتبرت الإنسان كآلة كمبيوتر أو حاسوب في عصر الآلة. و تناسى أصحاب هذا الفكر أن الإنسان هو إنسان قائم بذاته و بقلبه و بعقله و بأحاسيسه و عواطفه و ليس جهازاً جامداً. و شَبّه الشيخ محمد قطب الذي يُصرّ على إعمال العقل في غير محله الذي شرعه الله تعالى بالقفل و المفتاح الذي يدور فيه لفتحه من غير جدوى. فالعيب ليس بالقفل و لا بالمفتاح و لكنه في الإصرار على فتحه بغير مفتاحه!

و يرد شيخ الإسلام ابن تيمية على أهل المنطق والكلام والفلاسفة أتباع اليونانيين بقوله: (لو علم الرجل من الطبيعيات والرياضيات ما عسى أن يعلم، وخرج عن دين الرسل كان شقياً، وأن من أطاع الله ورسوله بحسب طاقته كان سعيداً في الآخرة وإن لم يعلم شيئاً من ذلك، ولكن سلفهم أكثروا الكلام في ذلك؛ لأنهم لم يكن عندهم من آثار الرسل ما يهتدون به إلى توحيد الله وعبادته وما ينفع في الآخرة، وكان الشرك مستحوذاً عليهم بسبب السحر والأحوال الشيطانية وكانوا يُنفقون أعمارهم في رصد الكواكب ليستعينوا بذلك على السحر والشرك وكذلك الأمور الطبيعية، وكان منتهى عقلهم أموراً عقلية كلية كالعلم بالوجود المطلق وانقسامه إلى: علة ومعلول وجوهر وعرض، وتقسيم الجواهر، ثم تقسيم الأعراض، وهذا هو عندهم الحكمة العليا والفلسفة الأولى، ومنتهى ذلك العلم بالوجود المطلق الذي لا يوجد إلا في الأذهان دون الأعيان، ومن هنا دخل من سلك مسلكهم من المتصوفة المتفلسفة كابن عربي وابن سبعين والتلمساني وغيرهم، فكان منتهى معرفتهم الوجود المطلق، ثم ظن من ظن منهم أن ذلك هو الوجود الواجب). وقال: (وجعلوا غاية سعادة النفس أن تصير عالماً معقولاً مطابقاً للعالم الموجود، وليس في ذلك إلا مجرد علوم مطلقة، ليس فيها علم بموجود معين، لا بالله ولا بالملائكة ولا بغير ذلك، وليس فيها محبة لله، ولا عبادة لله، فليس فيها علم نافع، ولا عمل صالح، ولا ما ينجى النفوس من عذاب الله فضلاً على أن يوجب لها السعادة).

ومع أن أمر العقل والروح والنفس وغيرها من الأمور الغيبية الخفية قد خاض فيها الكثير وكل أتى ببضاعته فيها؛ فينبغي التأكيد على أن العلم فيها هو من أمر الله و من عنده وحده. ويُجيب شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى بأن العقل: (في كتاب الله وسنة رسوله وكلام الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين هو أمر يقوم بالعاقل، سواء ُسمي عرضاً أو صفة، ليس هو عيناً قائمة بنفسها، سواء سمي جوهراً أو جسماً أو غير ذلك...وإنما يوجد التعبير باسم "العقل" عن الذات العاقلة التي هي جوهر قائم بنفسه في كلام طائفة من المتفلسفة الذين يتكلمون في العقل والنفس ويدعون ثبوت عقول عشرة كما يذكر ذلك من يذكره من أتباع أرسطو أو غيره من المتفلسفة المشائين. ومن تلقى ذلك عنهم من المنتسبين إلى الملل). وخلص شيخ الإسلام إلى أن اسم العقل هو: (صفة وهو الذي يُسمى عرضاً قائماً بالعاقل. وعلى هذا دل القرآن في قوله تعالى (لعلكم تعقلون). وقوله: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها). وقوله: (قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون)، ونحو ذلك مما يدل على أن العقل مصدر عقل يعقل عقلاً وإذا كان كذلك فالعقل لا يسمى به مجرد العلم الذي لم يعمل به صاحبه. ولا العمل بلا علم؛ بل إنما يسمى به العلم الذي يعمل به والعمل بالعلم، ولهذا قال أهل النار: (لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير). وقال تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها). والعقل المشروط في التكليف لا بد أن يكون علوماً يميز بها الإنسان بين ما ينفعه وما يضره، فالمجنون الذي لا يميز بين الدراهم والفلوس ولا بين أيام الأسبوع ولا يفقه ما يقال له من الكلام ليس بعاقل. أما من فهم الكلام وميز بين ما ينفعه وما يضره فهو عاقل). و يؤكد شيخ الإسلام ما دل عليه ظاهر الكتاب و السنة المطهرة في أمر العقل بقوله: (إن أصل العقل في القلب، فإذا كمل انتهى إلى الدماغ. والتحقيق أن الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا، وما يتصف من العقل به يتعلق بهذا وهذا، لكن مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة في القلب. والعقل يراد به العلم، ويراد به العمل، فالعلم والعمل الاختياري أصله الإرادة، وأصل الإرادة في القلب، والمريد لا يكون مريداً إلا بعد تصور المُراد، فلا بد أن يكون القلب متصوراً فيكون منه هذا وهذا، ويبتدئ ذلك من الدماغ، وآثاره صاعدة إلى الدماغ فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء.

و للتدليل على ما خلص إليه شيخ الإسلام في صفة العقل ينبغي تتدبر حديث الرسول صلى الله عليه و سلم التالي في إثبات أن العقل صفة تدل على الذات العاقلة: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) (صحيح أبي داود 3703). فأصل العقل في القلب كما أخبر المولى عز وجل: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: 46 ). و قول صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أن النسيان الطارئ على الإنسان هو بفعل سحابة القلب الذي أظلمته كما تظلم السحابة القمر‏: ( ما من القلوب قلب إلا و له سَحَابة كسحابة القمر، فبينما القمر يضيء إذ تجللته سحابة فأظلم، إذ تجلت عنه فأضاء، وبينما القلب يتحدث إذ تجللته فنسي، إذ تجلت عنه فذكر. و هذه يعني أن الأصل في ذلك للقلب و ليس للدماغ.

و للإحاطة، فإن هذا التعلق بالعقل الباطن الصرف المستقل عن الواحد الأحد يتنافي مع كمال التوكل عليه العزيز الجبار مصرف الأمور و موزع الأرزاق. فالتعلق بالعقل الباطن المطلق و اعتقاد تأثيره فيه ضرر و خطر عقدي يدخل في باب التوجه إلى غير الله عز وجل، والوجهة إلى غير الله تعالى كفر. و لهذا الفعل ضرر كبير في إفساد العقيدة الإيمانية من خلال إرجاع الأمور و النتائج إلى غير الله عز وجل و مشيئته. و في المقابل ينبغي بذل الأسباب، وعدم التواكل في طلبها، فيما لا يتنافي مع حقيقة التوكل على الله. وهذا يتطلب اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد و دفع ما يضره في دينه و دنياه بمباشرة الأسباب وفق شرع الله عز وجل. و قد أشار الإمام ابن القيم في ذلك إشارة لطيفة حيث أبان أنه: (لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً، وإن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة.

و بالرغم من النتائج المزعومة المُتحصل عليها في دورات البرمجة اللغوية العصبية من تقوية لغة الخطاب والإتصال والعلاج وتهذيب السلوك وتفجير القدرات الكامنة إلا إنها في جذورها اعتمدت على أصول مخالفة للدين، واحتوت على طرق تأثيرية و تخييلية ربما استخدمت في الإتجاه السلبي إذا أُطلق لها العنان ولم تُضبط. و الذي ينبغي إدراكه في هذا الإطار أن للبرمجة صبغة سلبية في الغرب، وأن هناك أكثر من منظمة تسعى لصد نشاطاتها ومحاربة وجودها بسبب سوء استخدامها في الإغواء والإغراء و غير ذلك من التطبيقات الهابطة للتنويم الإيحائي، والتي ربما أدت إلى تصرفات غير أخلاقية من خلال التفكير بالسيطرة و التأثير على الآخرين. و يؤكد أنتوني روبنز أحد كبار مطوري البرمجة على خطورة تقنية الـ"NLP"، فيذكر: (أجد أنّه يعمل بصورة مخيفة جدًا لدرجة أن شخص ما بالتّدريب الرّديء عليها يُمكن أن يعمل الكثير من الضّرر. فلم يكنّ هناك تحكّم في الجودة في مجال "NLP"، والكثير من النّاس ينتشرون و يدرسون "NLP" بالرغم من كون معرفتهم بها قليلة جدا. وتأدية طرق "NLP" هي مهارة، و ربّما يُوجد فقط واحد من عشرة ممارسي الـ"NLP" في أعلى 10 % لمستوى مهارة "NLP" و ربّما حتّى أقلّ من ذلك.

وينبغي الإشارة إلى أن مدارس و مشارب البرمجة في الشرق و الغرب تشترك في أساسيات البرمجة كفلسفتها و فرضياتها و بعض تقنياتها الأساسية. و تختلف هذه المدارس بعضها عن بعض في تقديم بعض المهارات و الأدوات و التقنيات و الممارسات، و التي قد لا توافق ثقافة ومعتقدات بعض المجتمعات وخاصة الإسلامية. فعلى سبيل المثال، فبعض مدارس البرمجة من قد أدخل عليها أوهام الطاقة والشكرات و الهونا و الشامانية و الطب البديل و السحر و اليوغا و حركات البراعة الجسدية و العقائد والثقافات البوذية؛ لتتقوى دراسة البرمجة بها، و تُسوّق للناس، و تُثيرهم و تستثيرهم. و تداخل هذه الفنون و العلوم مع البرمجة و اختلاطها بعلوم الأعصاب و النفس والاجتماع والإدارة والمنطق قد أشكل على طلابها و روادها في الشرق و الغرب. فالبعض على مستوى العالم اعتبر البرمجة على أنها سبيل لتطوير و ضبط الذات والنفس والإتصال و مساعدة الآخرين بتنقيحها من العلوم و الفنون التأثيرية و المنافية للأخلاق. و البعض الآخر استخدم البرمجة في التأثير على الآخرين بإضافة بعض فنون الطاقة و التأثير التخييلي و السحر و غيرهم مما ذُكر سابقاً. و تختلف ممارسات البرمجة و طرق عرضها و التدريب عليها بحسب ثقافة و خلفية و أهداف مدربيها. و للإشارة، فإن منهج دورات البرمجة اللغوية العصبية يخضع لمراقبة دقيقة و لصيقة من الإتحادات ذات العلاقة التي تمنح شهادات معتمدة في ذلك. و عادة هذه الإتحادات لا تُسوّغ للمدربين تجاوز الخطوط المرسومة لهم في أداء و كتابة مقررات البرمجة اللغوية العصبية. و لذلك، فإن أمر تنقيح مقررات البرمجة اللغوية العصبية هي ليست على إطلاقها في أيدي و تحت تصرف المدربين من المسلمين، بل إنه يُشترط على المدربين من قِبل الإتحادات الغربية المختصة بشهادات البرمجة الإمتثال بكامل مقررات البرمجة أثناء التدريب من دون تغيير أو حذف أو إضافة دون إذن مُسبق.

و مما ذُكر سابقاً من التداخلات في مواضيع البرمجة يُعتبر من أهم أسباب الإختلاف في فهمها و تحديد ماهيتها. فالبعض أدلى بدلوه متحمساً على أنها طريقة لتطوير الذات و ضبط النفس و علاج الأمراض النفسية، و البعض الآخر ركّز على تطبيقاتها المفيدة، و قلّ من درسها بشمولية كافية ترقى إلى مستوى النظر و إبداء الرأي المكتمل المتكامل. و الاختلاف في أمر البرمجة اللغوية العصبية ليس وليد اللحظة بل عند الغربيين أنفسهم قد أُختلف في أمرها اختلافاً كبيرا. و من أهم أسباب ضعف الرؤية في أمر البرمجة اللغوية العصبية أيضاً هو نابع من كونها فلسفة و تقنية يشوبها شيء من الهزل والضعف النظري العلمي الأكاديمي، كما أشار كلتون رودز أحد المتخصصين في البرمجة اللغوية العصبية في مقاله (ماذا عن NLP؟): (NLP، من الناحية الأخرى، حدسية وفلسفية في نظرتها، و تستمد اسسها و تقنياتها من علوم التحليل النفسي العلاجي، و ترتبط أصولها بدراسة حافز الغيبوبة والتأثير والسحر. وهي نظرية ليست مفصلية، فمصطلحها وأسسها وفرضياتها محددة و غامضة أو سقيمة).

و بلا ريب، فالناظر لأمر البرمجة من زوايا وأبعاد مختلفة فسوف يجد أنها عبارة عن خليط من العلوم و العقائد و الأفكار و الفلسفات و المنطقيات و اللغويات و الفنون المختلفة. و المتفحص عليه أن يحقق ويدقق في العناصر الآتية حتى تتوفر لديه نظرة شمولية متجردة و فاحصة و طالبة للحق، وكل عنصر منها يقود إلى الآخر بتتبع القرائن والدلائل:

1.
أصل و جذور البرمجة اللغوية العصبية وتاريخها وأسسها ومكوناتها وفرضياتها وأدواتها وتطبيقاتها وسلبياتها وإيجابياتها وأخلاقياتها ومعاييرها ومدارسها.
2.
تداخلها بالعلوم الأخرى كعلم الأعصاب النفس والاجتماع والإدارة والسينتولوجيا.
3.
اختلاطها بالعقائد والديانات والفلسفات والممارسات الشرقية والغربية كوحدة الوجود و حكم القبّالة والطب البديل والطاقة والبوذية والمنطق والفيزياء والطبيعيات و السّحر والشعوذة والكهانة والتنجيم وعلم الغيبيات واللاهوتيات.

و كل من يقوم بتفحص هذه القرائن والعناصر لا بد أن يصل إلى حقيقة و ماهية البرمجة بشمولية ثاقبة، وبذلك يطمئن إلى استنتاجه حول أمرها. و أما غير ذلك فسوف يكون لديه إغفال عن الحق، وقصر في النظر. و لذلك ينبغي تحديد مفاصل البرمجة، وتحديد مسارها، وتنقيحها، وتوضيحها للناس. فالبرمجة أصبحت تُمارس من قبل العامة والخاصة من غير رادع و ضابط أو رقيب. ولذلك فعلينا أن لا نُعمّم الحكم في أمر تطبيقات البرمجة نظراً لاختلاف مدارسها و توجهاتها. بل ينبغي تأصيلها، و ضبطها بضوابط و أطر إسلامية، و بيان إذا كان منهجها موافقاً لما جاء في الكتاب والسنة أم لا، من غير تعصب مقيت.

و في الخاتمة نؤكد على أن ما يميزنا نحن المسلمون عن غيرنا هي عقيدتنا التي ينبغي أن نُحافظ عليها، و أن نحتكم إليها، و نقوّم العلوم على ضوئها حتى نتفادى خطر العلوم الوافدة بماديتها و إلحاديتها البحتة، والتي قد تنعكس سلباً على المجتمعات الإسلامية. فالمعايير التي ينبغي أن نحتكم عليها هي معايير الشرع الحكيم. و الخير كل الخير في تحقيق و اتباع مبادئ هذا الدين الإسلامي و تعاليمه، فهي بإذن الله العاصمة و الكفيلة بإسعاد و إصلاح النفس و المجتمعات، و تحقيق الهوية الإسلامية المنشودة. فالدين الإسلامي جاء بالخير الكثير، و على أهله حمله بحق، و تقديمه للناس ليكون حجة عليهم. و كذلك فإن إقامة الدين الإسلامي كما شرعه الله بأركانه و أصوله و فروعه خير كفيل لهداية النفس و إسعادها و إصلاحها، و علينا طلب المسببات من أسبابها التي ربطها الله بها. فالتعلق بالله و التوكل عليه و عبادته هي بإذن الله من أسباب تحقيق سعادة الإنسان و ثباته و اطمئنانه في الدنيا و الآخرة. فمن أراد السعادة الحقيقية و الحياة الطيبة فليطلبها من مُقدّرها و واهبها سبحانه. يقول الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل:97). و يقول سبحانه و تعالى في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته) (الجامع الصحيح 6502).

و مما يُوصى به على المهتمين في هذا الجانب ما يلي:

التركيز على إيجاد برامج عملية تُعزّز من محاسبة وإصلاح النفس البشرية بجمع الأقوال والأفعال من ديننا والتي لها صلة مباشرة في أمور العقل والقلب والنفس، وذلك لتطوير المنهج الإسلامي الملائم. يقول الله عز وجل: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد 11).
التركيز على شخص وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في التوجيه لهذه البرامج و المناهج؛ فهو المعيار الحقيقي في مثل هذه الأمور. يقول الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً 21) (الممتحنة(.
الالتزام بما هو ظاهر ومعروف، وليس له علاقة بجانب الغيب والباطن والخفاء والذي هو في علم الله تعالى.
التعامل مع الآخرين برفق وخاصة للدعاة، وفي مصب جانب الإبلاغ في الدعوة دون الولوج المطلق في متاهات الذهنيات و الظنيات. يقول الله تعالى: (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ (82)) (النحل).
مراعاة الفروق البشرية بشتى أنواعها، والتي فطر الله الناس عليها. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الأرواح جنود مجندة؛ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) (صحيح الأدب 691).
التركيز على العلوم النافعة الشاملة الظاهرة التي تنهض بالفكر والنفس والقلب. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) صحيح مسلم 4005).

(نُشر المقال في ملحق الرسالة-صحيفة المدينة)

كاتبه: د/أبو معاذ  عوض بن عودة
باحث مهتم بالدراسات الشرعية والاجتماعية والإدارية

الصفحة الرئيسية